الشيخ داود الأنطاكي

176

النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة

وحاصله : إن المعلم يقول إنه لا استقلال لمني النساء بالتوليد والتولد لعدم انعقاده . وهذا لا يدل على انكاره . ثم إن جالينوس حاول مساواة المنيين عناداً ، فقال : نجد الولد يشبه المرأة فلو لم يكن في منيها قوة الانعقاد لم يقع الشبه . وقد علمت بطلان هذا بما قدمناه من اسناد الشبه إلى القوى والخيال . قال : ولأن نحو الأعصاب من المني ، فلو لم يكن فيه الانعقاد والفعل لما تخلقت . وهذا بالهذيان أشبه ؛ لجواز أن تكون كلها من مني الذكر ، كذا قاله الشيخ . وأقول : إن هذا غير كاف ؛ لجواز أن يدعي العكس فيتعارض الدليلان ، ولكني أقول : لو كان ذلك من مني المرأة لوجب أن لا يشبه ولد غير أمه ، وهذا باطل . وأن الشبه لو كان واقعاً في الرحم لوجب أن يكون كله للمرأة خاصة لكثرة الغذاء بدمها ، هو باطل . قال أيضاً : قد وقع في كلام المعلم ما يناقض بعضه بعضاً ، فقد انكر مَني المرأة ثم صرح بوجود البيضتين فيها وأنهما يولدان المني لاستدارتهما ، والمولود من جنس المولد ضرورة ، وهذا تصريح بوجود العاقدة في مني المرأة . ورده الشيخ بعدم اللزوم ؛ لعدم الانتاج واشترط عدم اتحاد المولد والولد ، فإن الكبد تولد الصفراء والسوداء والبلغم ولا تشاكل أحدها . ثم إن جالينوس فهم أيضاً عن المعلم انه يقول : إن مني الذكر ليس جزءاً من الجنين فأخذ في التشنيع أيضاً محتجاً على أنه جزء ؛ بأن الرحم يشتاقه بالطبع ويعسر انزلاقه منه إذا أريد ذلك ؛ ولأنه خلق خشناً ليمسكه والا لكان تخشينه عبثاً . هذا حاصل ما قاله ، وهو يدل على غاية الجهل بصناعة القياس ؛ بشهادة كل عاقل بعد تألف هذه المقدمات لانتاج المطلوب ؛ لأن الرحم يجوز أن يكون تشوقه إلى المني لا لينعقد فيه بل ليسخنه مثلًا أو يعيد دم الطمث مزاجاً صالحاً ثم يدفعه كما تصنع الأعضاء بالغذاء ، أو انه يفسد بعد فيدفعه . واما خشونته لامساكه ، فمن الجائز أن يكون ذلك